عمارة وفنون

تعريف الهندسة المعمارية، تعريف دقيق وبسيط ومفهوم

تعريف الهندسة المعمارية، كما لم يصلك من قبل

تعريف الهندسة المعمارية

دائماً ما يجد الباحثون في مجال الهندسة المعمارية صعوبة في تعريف المجال تعريفاً يجمع شروط التعريف المعروفة، فلا يستوعب طلبة الهندسة المعمارية تلك التعريفات فتجدهم في حيرة وفي تشتت، وذلك لسببين:

السبب الأول: الاختلاف بين التعريفات، فواحد يعرف الهندسة المعمارية بطريقة والآخر يعرفها بطريقة أخرى تناقض الأولى.

السبب الثاني: نقص بعض التعريفات فالبعض منها لا يشمل المعنى الكامل للعمارة فيتساءل الطالب إذا حسب هذا التعريف ذلك النوع من البناء أو تلك المباني لا تعتبر عمارة.

إن مشكلة تعريف الهندسة المعمارية (أو العمارة) ليس وليد اليوم، ولهذا كان لزاماً علينا شرح هذا الموضوع شرحاً مبسطاً ننهي به الخلاف ونجلي حقيقة هذا المجال.

*معنى (التعريف) بدايةً

قبل الخوض في تعريف الهندسة المعمارية بشكل واضح ومفهوم، دعونا نستوضح معنى بعض المفاهيم الهامة أولاً، كـ (التعريف) و (الفن).

(التعريف) في حقيقة أمره قائم على الوصول إلى معنى شيء مبهم أو غير معروف، ومعناه توضيح مفهوم اللفظ، أو توضيح معنى شيء مبهم حتى يصبح واضحاً في ذهن من يجهل معناه[1].

-شروط (التعريف):

  1. أن يكون التعريف جامعاً مانعاً:

فمثلا لو قلنا: “الهندسة المعمارية عبارة عن فن تصميم المنازل”، فهذا التعريف غير جامع لأنه أهمل تصميم الملاعب والمتاحف.

وإذا قلنا: “العمارة هو فن التصميم”، فهذا التعريف ليس مانعاً لأنه يدخل في هذا التعريف تصميم الأزياء والتصميم الجرافيكي، وغيره من التصاميم.

  1. أن يكون التعريف واضحاً:

فلا نعرف مثلاً العمارة على أنها “ذلك الفن الأول الذي يعتبر أم الفنون!”، فهذا التعريف أولاً ليس مانعاً وهو تعريف غامض أكثر من الكلمة التي نريد تعريفها أصلاً.

  1. أن لا يشتمل على السلب:

مثلاً تعريف النور بأنه عكس الظلام، أو تعريف العمارة بأنها “عكس الخلاء!”.

*تعريف مشهور لا يفي بالغرض

من أشهر تعريف لـ الهندسة المعمارية ، تعريف يعود للمهندس المعماري الفرنسي “لو كوربوزبيه” هو تعريف غامض وغير مفهوم جيداً، نعرضه عليكم من باب الشرح، ودعونا نتعرف عليه..

-تعريف “لوكوربوزبيه”:

يقدم لنا المهندس المعماري الفرنسي “لو كوربوزييه” تعريفاً فلسفياً غير مانع فيقول: «العمارة هي اللعب المتقن، الصحيح، الرائع بالكتل المجموعة تحت الضوء»، فيدخل في هذا التعريف مثلاً النحت، أضف إلى ذلك الغموض الذي يكتنف التعريف فلا يفهمه إلا كبار المختصين في المجال.

*هل العمارة (أو الهندسة المعمارية) فناً؟

ما هي العمارة؟… هل هي مجرد بناء يسكنه الإنسان أو يمارس فيه العبادة أو العمل أو الترفيه أو أي غرض آخر؟.. نعم هذه هي أغراضها النفعية في الحياة…. فلماذا وصفت إذاً بأنها أم الفنون[2].

-تعريف الفن:

يعرف الباحث “جيروم ستولنتر” الفن على أنه: «تجسيد أحلام وخيالات باستخدام رموز وصور وأفكار تدل على المحتويات ويمكن قبولها جماهيرياً، وتفسيرها على وجوه مختلفة وأن القيمة الجمالية توجد في العمل الفني».

-علاقة الهندسة المعمارية بـ الفن:

سؤال يطرح نفسه هل الإنسان أول الأمر جسد أحلاماً وتخيلات حصلت له عندما بنى بيته الأول، أم أنه قام بمجرد تقليد لتلك المغارات والكهوف التي فر إليها بطريقة فطرية ليمنع عن نفسه قسوة الطقس والهلاك، بمعنى آخر استجابة للبقاء، سؤال لا يمكننا أن نجيب عليه، ولكن أقدم البنايات في التاريخ والتي استطاع الإنسان أن يكتشفها لحد الآن تظهر أنها كانت على شكل مغاير تماماً للمغارات فالفكرة قد تكون ولكن التجسيد مختلف تماماً جداً عن بنية الكهوف فلم يكن يقلدها.

يقول “تولستوي” في تعريفه للفن: «إن الفن ضرب من النشاط البشري الذي يتمثل في قيام الإنسان بتوصيل عواطفه إلى الآخرين عن طريق بعض العلامات الخارجية»[3]، مما لا شك فيه أن الإنسان دفعته الحاجة أن يسكن أول مرة، فهل الخروج من الكهف لبناء بيت كان محاولة لتوصيل عواطفه، أم كان مجرد حاجة ملحة، لقد كانت الكهوف في الجبال وفي المناطق العالية أين تكثر الأحجار حيث التضاريس جداً قاسية.

من خلال تعريف “تولستوي” يمكننا القول أن العمارة لم تكن في بادئ الأمر فناً فلم يحاول الإنسان في البداية إيصال عواطفه بل كان مجبراً على القيام بذلك. مثلا شخص كان يمشي في الطريق فاعترضت صخرة كبيرة طريقه فقام بإزالتها، سواء بكسرها أو تحريكها جانباً، وشخص مر من تلك الطريق فوجد تلك الصخرة فقام بثقبها وجعل فيها نفقاً قائلا عندما يمر من هنا أشخاص بعدي سيرون طريقة تفكيري الإبداعية. هنا يمكننا القول أن الشخص الثاني فنان لأنه حاول إيصال شيء معنوي يتمثل في قوة تفكيره وإبداعه من خلال عمل مجسد.

ويرى “ويلز” الفن: «شأنه شأن الرياضة هو منفذ للتنفس المتعلق بالطاقة ويصرفها في اهتمامات مثل الرسم والنحت والشعر والموسيقى والرقص والنشاطات العلية والرياضة».

إن تتبع واستقراء تعريفات المفكرين والفلاسفة للفن، يظهر لنا الاختلاف الكبير في تعريف الفن. إن الذي لا يُختلف فيه أن الإنسان حاول وبدون أي شك أن يغير حياته إلى أفضل، حاول أن يجد حلولا للمشاكل التي واجهته بطريقته الخاصة وبتفكيره الفطري، لقد عبر عن حاجته من خلال ذلك البناء لقد إحتاج إليه وجسد تلك الحاجة من خلال ذلك البناء، لا أعتقد أنه حاول التعبير بذلك لغيره في بادئ الأمر ولكن عبر بذلك لنفسه، أقنع نفسه أنه يستطيع أن يغير حالته إلى أفضل من خلال البناء وهذا هو أسمى معاني الفن.

إذاً، الهندسة المعمارية فيها من الفن، ولكن يجب أن لا يقال أنها (أم الفنون)، إن مسألة القول أن فناً ما يعتبر أم الفنون مسألة صعبة ولغو من القول لأن الإنسان ما زال يكتشف آثار من سبقه من البشر، والحقيقة الواضحة حالياً حسب ما اكتشفه الإنسان أن الرسم والنقش كان موجوداً داخل الكهوف قبل وجود البيوت، ولعل بعد سنوات يكتشف الإنسان بناء أقدم من تلك النقوش وهكذا.

تعريف الهندسة المعمارية

*العمارة والهندسة..

يعرف “إقليدس” الهندسة على أنها علم موضوعه قياس المقادير، والمقدار هو كل ما له واحد من ثلاثة أشياء وهي طول وعرض وعمق[4].

يقول المهندس المعماري الروماني “فيتروفيوس” أول من ألف كتاباً في الهندسة المعمارية: «والهندسة عامل مساعد في الهندسة المعمارية وخصوصاً أنها تعلمنا استعمال المسطرة والمنقلة وأداة التسوية والشاقول، والتي بواسطتها على وجه الخصوص نكتسب القدرة لتنفيذ مخططات الأبنية على الأرض…»[5].

لا شك أن العمارة تعبر عن نفسها قبل كل شيء عن طريق الهندسة. إن الناظر إلى الحضارات القديمة يجد مثلاً الأهرامات قد صممت بإتقان هندسي رائع، وأن التصميم لم يأت هكذا بلا مجهود، فقد كانت في بادئ الأمر عبارة عن مساطب على شكل مدرجات ثم تحولت إلى الشكل المعروف حالياً، إن دل هذا على شيء فإنما يدل على إقتران إسم الهندسة بالعمارة منذ القدم، فحتى في أقدم المنازل التي اكتشِفت كانت أشكالها الهندسية مدروسة غير عشوائية.

*هل الهندسة المعمارية بناء فقط ؟

موضوع العمارة هو البناء، قبل بداية تصميمه إلى الإنتهاء من تشييده، كما أن العمارة في الحقيقة لا تهتم بدراسة البناية وحدها بعيداً عن محيطها وما يجاورها من البنايات الأخرى، بل تهتم أيضاً بما يسمى حالياً بالتخطيط العمراني أو العمران.

كما يصل الأمر إلى أكثر من ذلك فتهتم بتنظيم المحيط من خلال غرس الطرق والجسور، وهذا كان موجوداً منذ القدم ولكن بتخطيط أقل تطورا وأكثر فاعلية،

فالناظر مثلا إلى أقدم مدينة في العالم وهي مدينة “جاتال هويوك”، يلاحظ غياب التنظيم من خلال ندرة الطرق، ولكن كان لهم تنظيم خاص بهم حيث أرادوا تقريب بيوتهم كثيرا بعضها مع البعض مما يعطيهم شعورا أكبر بالأمان، وهذا ما جعل الدخول إلى بيوتهم يكون من السقف.

*صفوة القول في تعريف الهندسة المعمارية

من خلال ما سبق يمكننا تعريف الهندسة المعمارية (أو العمارة) تعريفاً بسيطاً مفهوماً: «فن موضوعه المنشآت المعمارية يهتم بتصميمها هندسياً وتشييدها، كما يهتم بتنظيم بعضها البعض وتنظيم محيطها».

المراجع:
– يوسف محمود، المنطق الصوري، ص.66.[1]
– عز الدين نجيب، الفن المصري القديم، موسوعة الفنون التشكيلية في مصر، ص.18.[2]
– إياد الصقر، معنى الفن، ص.161.[3]
– إقليدس، كتاب في الأصول الهندسية، ص.4.[4]
– فيتروفيوس، الكتب العشرة في العمارة، ص.24.[5]

شـاهد أيضاً..

3 مخاطر تهدد فكر أي مهندس معماري

كيف تصبح مهندس معماري ناجح ومتميز ؟

الوسوم
اظهر المزيد

سيدعلي وريرو

مهندس معماري، أستاذ متخصص في الهندسة المعمارية وعضو بفريق المهندسين بمبادرة الباحثون المسلمون سابقا.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق